القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار

هكذا أصبحت تركيا من بين أكبر الدول المصنعة للسلاح في العالم

الصناعات الدفاعية التركية

الصناعات الدفاعية التركية

خلال العقد الماضي، نما قطاع الصناعات الدفاعية التركية بشكل بسرعة، متجاوزًا القطاعات الصناعية الأخرى الأكثر رسوخًا في تركيا؛ فقد ارتبط هذا التطور في مسيرة هذا القطاع بالرغبة الجامحة للحكومة في تحقيق أمرين؛  الأول هو تقليل الاعتماد استراتيجيًا على واردات الأسلحة من الخارج، والثاني تعزيز استقلال أنقرة بطريقة تخدم طموح البلاد في لعب أدوار إقليمية ودولية أكبر تضعها في أعين التطورات الدولية.


  لا شك أن طموح تركيا في لعب أدوار إقليمية ودولية ليس بعيدًا عن النخبة السياسية والعسكرية التركية، بل يعود إلى حقبة الأزمة القبرصية في سبعينيات القرن الماضي، وذلك عندما فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على تركيا، حليفتها في الناتو، حيث تضمنت هذه العقوبات حظر توريد الأسلحة إلى تركيا، بسبب رفض أنقرة الوقوف متفرجًا على المجازر التي يرتكبها الجزء الجنوبي من الجزيرة، بدعم من اليونان والغرب، ضد القبارصة الأتراك. خلال الانقلاب العسكري الذي حدث على الجزيرة القبرصية.


أدركت تركيا حينها أنه لا يمكن الاعتماد على الغرب لتأمين مصالحها الاستراتيجية وحماية الأمن القومي للبلاد حتى ضمن تحالف واحد، وانطلاقاً من هذا الواقع، قررت أنقرة في ذلك الوقت، المضي قدمًا في تطوير صناعة الدفاع الوطني، وعلى الرغم من استمرار هذا المسار لعقود، إلا أنها شهدت قفزات كبيرة منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002، ومنذ ذلك الحين؛ تمحورت أولويات السلطات التركية المتعاقبة حول: تحقيق الاكتفاء الذاتي من حيث الدفاع، وزيادة صادرات وعوائد صناعة الدفاع التركية، ورفع مكانة تركيا كقوة صاعدة على المستوى الاقليمي و الدولي.

نجاح باهر

  أدت سياسات الضغط  التي مارستها الحكومية إلى تحقيق قطاع الدفاع التركي نجاحًا ملحوظًا في فترة زمنية قصيرة نسبيًا، حيث ارتفع صافي مبيعاته من الأسلحة، من 1.85 مليار دولار في عام 2006 إلى حوالي 8.7 مليار دولار في عام 2018، وخلال الفترة نفسها، زادت صادرات القطاع أيضًا من 487 مليون دولار إلى حوالي 2.2 مليار دولار، و أعقب هذا الارتفاع تحول في علاقة تركيا بواردات الأسلحة، حيث انتقلت أنقرة من كونها ثالث أكبر مستورد للأسلحة في العالم في عام 1999، لتحتل بذلك  المرتبة 14 من بين أكبر مصدر للمنتجات الدفاعية في العالم في عام 2018.


وفي العام نفسه، شهد القطاع أقوى نمو للصادرات بين جميع الصناعات التركية، حيث تجاوزت صادراته عتبة ملياري دولار لأول مرة، وفاز بعدة صفقات أسلحة كبيرة مع دول أخرى، بما في ذلك طلبات شراء 30 مروحية مقاتلة و 4  فرقاطات من باكستان، وفي عام 2018، تم تصنيف تركيا على أنها "مصنع صاعد"، بهدف زيادة القدرات الإنتاجية  للمعدات والأسلحة البحرية والجوية والأرضية، وكذلك الإلكترونية، بالإضافة إلى زيادة مستوى إنتاج الذخيرة


وفي مقابل ذلك، فقد كانت تركيا تنفق حوالي 14 مليار دولار على صناعتها العسكرية خلال عام 2009، ورغم هذه الكلفة المرتفعة إلى أن حجم الانفاق واصل الارتفاع حتى بلغ 19 مليارًا و580 مليونا العام الماضي.


  ويعكس هذا الوضع طموحات أنقرة الكبيرة في هذا المجال، والتي عبر عنها سابقاً رئيس الصناعات الدفاعية التركية، إسماعيل دمير، بالقول: إن هدف أنقرة الاستراتيجي هو جعل صناعة الدفاع التركية مستقلة بنسبة 100٪ بحلول عام 2053 م، وزيادة حجم التصدير للمنتجات الدفاعية وكذلك المعدات العسكرية إلى 50 مليار دولار، وأن يكون لدينا ما لا يقل عن 10 شركات دفاعية تركية في قائمة أفضل 100 شركة في العالم.


وتتربع شركة أسيلسان على رأس مصنعي الأسلحة التركية، حيث تحتل المرتبة 63 بين أكبر 100 شركة عالمية في هذا المجال.


وققد نجحت هذه الشركة في تطوير أنظمة الاتصالات الحربية الحديثة والتشويش والتشفير اللاسلكي لاستخدامها في المعارك العسكرية، وأبرزها نظام ( كورال) الذي يتم وضعه على مركبتين منفصلتين.

نظام كورال للتشويش الالكتروني

  وتتمثل مهمة نظام كورال - الذي يبلغ مداه 240 كيلومترًا - في مراقبة وتحليل وتصنيف واعتراض أو تشويش موجات الراديو والترددات ومنعها من الوصول إلى هدفها.


  ومع ذلك، تم إخفاء النظام المعقد عن أنظار عملاء الأسلحة في معرض الموصياد السابع عشر الذي أقيم مؤخرًا في اسطنبول، ولم يتم عرضه للبيع في الخارج حتى اليوم.


وبحسب مسؤولي  شركة أسيلسان، فإن الشركة التي توظف حوالي 3000 مهندس، هي الأكبر في قطاع الإنتاج العسكري في تركيا، حيث حققت إنجازات كبيرة في السنوات الأخيرة سواء من حيث الإنتاج أو التصدير العسكري.


  وقال مصطفى كفال، نائب المدير العام للشركة، إن الفضل الرئيسي في التقدم الذي حققته شركة "أسيلسان" على المستوى الدولي يكمن في طاقتها الإنتاجية العالية، وأوضح أن الشركة تستطيع إنتاج أكثر من مائة نظام سلاح في كل شهر.


  وأشار إلى تقدم الشركة في إنتاج أسلحة بمكونات عالية التقنية مثل نظام "سارب" الأوتوماتيكي الذي يعمل بجهاز التحكم عن بعد وهو المفضل للوحدات الحربية المتنقلة البرية والبحرية، وكذلك قاذفة "الطوفان" الكهرومغناطيسية التي تتجاوز مقذوفاتها ستة أضعاف سرعة الصوت.


  وقال كيفال:إن نحو 13 دولة تستخدم أسلحة أسيلسان المختلفة، وأن الشركة تدير خطوط إنتاج أجنبية في جنوب إفريقيا والإمارات والأردن وكازاخستان، وساهمت في تأسيس شركة "برق" التابعة لوزارة الدفاع القطرية.


وفقًا لبيانات شركة أسيلسان، فقد ارتفعت قيمة مبيعاتها من الأسلحة بنسبة 27.1٪ خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري لتصل إلى 1.37 مليار دولار ، منها نحو 114.2 مليون تم تصديرها للخارج، فيما بلغت قيمة الصفقات المبرمة للتسليم حتى عام 2025 إلى حوالي 6.8 مليار.


  وفي السياق ذاته، فقد أبدى الرئيس رجب طيب أردوغان ثقة ملحوظة بقدرات بلاده على تصنيع الأسلحة عندما أعلن يوم الأربعاء الموافق 12 من الشهر الجاري أن بلاده ستنتقل إلى "صفوف الكبار" في الصناعات الدفاعية بفضل التقدم الكبير الذي حققته  في هذا القطاع.


وفقًا لتقرير "السيبيري" للتسلح العالمي لعام 2019 الصادر في مارس 2020، فقد انخفضت واردات تركيا من الأسلحة بنسبة 48٪ بين عامي 2015 و 2019، مقارنة بالسنوات الخمس السابقة. وذلك رغم انخراط القوات المسلحة التركية في مزيد من العمليات العسكرية الداخلية، كالعمليات ضد (حزب العمال الكردستاني) ، والعمليات الخارجية (في سوريا وليبيا) أكثر من ذي قبل، ويعتبر تراجع الواردات جزءًا من سياسة تسعى إلى الحد من واردات الأسلحة وتعظيم الاعتماد على الأنظمة المحلية.


  في السنوات العشر الماضية، أضافت أنقرة أنظمة دفاع محلية وأسلحة إلى مخزونها أكثر من أي وقت مضى، مما قلل من اعتمادها على الواردات الأجنبية وزاد نسبة المحتوى المحلي في مشترياتها الدفاعية من 24٪ في عام 2002 إلى 68.5٪ في عام 2016،  تزامن ذلك مع دخول عدد أكبر من شركات الدفاع الوطنية في قائمة "سيبري" لأكبر 100 شركة منتجة للأسلحة في العالم لعام 2018، وفي عام 2019 تم إدراج 5 شركات دفاع تركية في تصنيف "ديفنس نيوز" لأفضل 100 دفاعية حول العالم.


في نهاية ذلك العام، أصدرت الرئاسة التركية للصناعات الدفاعية خطتها الاستراتيجية للفترة الممتدة بين 2019-2023، والتي تهدف إلى زيادة عائدات قطاع الدفاع التركي إلى مايقارب 26.9 مليار دولار، وكذلك الرفع من الصادرات إلى 10.2 مليار دولار، وتلبية  75٪ من احتياجات البلاد العسكرية محليًا في عام 2023، مقارنة بنسبة 65٪ في عام 2018، واستنادًا إلى بيانات جمعية صناعة الدفاع والطيران التركية لعام 2019، والتي تم نشرها في أبريل 2020،  فقد ارتفع حجم صادرات القطاع في عام 2019 بنسبة 40.2٪ لتصل إلى 3.1 مليار دولار مقارنة بـ 2.2 مليار دولار في 2018، كما زاد إجمالي المبيعات بنسبة 24.2٪ لتصل إلى 10.9 مليار دولار مقارنة بـ 8.8 مليار دولار في عام 2018.


  في هذه المرحلة بالذات، برز نجم المسيرات التركية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية أيضًا، لا سيما مع التقدم الهائل الذي حققته أنقرة في هذا المجال، والمفارقة أن هذا التطور لم يكن ليحدث لولا المقاطعة ورفض واشنطن تزويد حليفتها تركيا بالآليات اللازمة لمحاربة حزب العمال الكردستاني، الذي صنفته تركيا كمنظمة إرهابية.


  وقد أثبتت الطائرات التركية بدون طيار كفاءة وفعالية عالية، حيث أدى استخدامها في عقيدة عسكرية جديدة تعتمد على دمج الطائرات القتالية بدون طيار في المعارك التقليدية إلى إحداث ثورة في مفهوم الطائرات بدون طيار في الممارسة العملية، فقد اختبرت أنقرة هذا المفهوم في 3 ميادين؛  تتمثل في شمال سوريا وليبيا وإقليم ناغورنو كاراباخ الأذربيجاني الذي كان محتل من قبل أرمينيا سابقا، وقد حققت إنجازات عسكرية غير مسبوقة ودمرت معدات عسكرية روسية متطورة تقدر بالمليارات، بالإضافة لغيرها المعادلات الميدانية والسياسية.

التحديات

 على الرغم من الاستثمار السياسي والاقتصادي والتكنولوجي الضخم، بالإضافة إلى الإنجازات الكبيرة التي تحققت في وقت قصير، إلى أن  الصناعات الدفاعية التركية واجهت صعوبات - ولا تزال هناك تحديات كبيرة على أكثر من مستوى، من أبرزها:


  1- يصاحب زيادة حجم صادرات قطاع الصناعات الدفاعية المحلية من المعدات العسكرية زيادة مماثلة في حجم الواردات من المواد الخام المستخدمة عادة في صناعتها، وهو مؤشر على الاعتماد الضار والخطير على المواد الخام الأجنبية و المعدات اللازمة للحفاظ على الزخم في عملية الإنتاج في هذا القطاع.

  2- هجرة العقول والكفاءات مستمرة رغم محاولات تحسين أوضاعهم، حيث يعاني الكثير منهم من عدم وجود بيئة مناسبة لهم، وبالتالي يفضلون الهجرة إلى الخارج، وغالبًا ما تجتذبهم الشركات الأمريكية أو الأوروبية في المقابل الحصول على امتيازات كبيرة.

  3 - تؤثر المواقف السياسية للحكومة في بعض الأزمات السياسية الخارجية على قدرة بعض شركات الصناعات الدفاعية المحلية على بيع منتجاتها الدفاعية لدول تنظر إلى تركيا بشكل سلبي،  ويؤثر هذا في النهاية على تحديد خيارات التسويق أو البيع.

  4- يعتبر البحث عن أسواق جديدة تحديًا كبيرًا، خاصة خارج الأسواق التقليدية الرئيسية للأسلحة، والتي غالبًا ما تتخذ مواقف سلبية تجاه تركيا.

  5- إن الحاجة إلى استثمارات كبيرة جديدة ومستمرة هي أيضًا عقبة أمام قدرة القطاع على الاستمرار في المستقبل ، خاصة مع التحديات الاقتصادية التي تواجهها تركيا ، وعدم استعدادها لفتح القطاع بشكل كامل للدول التي قد يكون لديها أموال ، لكنها  قد تشكل المشاركة تهديدًا للقطاع نفسه.


 إن استمرار هذه التحديات قد يقوض الإنجازات التي تم تحقيقها أو يحول دون تطوير القطاع في المستقبل، لذلك، هناك محاولة للحد من تداعياتها على القطاع والعمل على معالجتها.


  مثّل جائحة كورونا التي بدأت تنتشر في تركيا في آذار 2020، وقد شهدت هذه الجائحة تطوراً غير متوقع وغير مرحب به لصناعة الدفاع، لكن اللافت أن القطاع تعامل مع الوباء بنجاح كبير، وخاصة في مساهمته في الجهود الصحية، فضلاً عن قدرته لجذب المشاريع والصفقات الدولية الكبيرة في خضم الوباء مما أعطى مؤشرا إيجابيا على مستقبل القطاع وبأنه صاعد بقوة، على الأقل خلال المرحلتين القصيرة والمتوسطة.

هل اعجبك الموضوع :